عرائس في الكفن الأبيض.. حين يصبح الرضيع أخًا لأمه خلف الأبواب المغلقة
- مصر تبذل جهودًا حثيثة لمحاربة هذه الظاهرة
- “الأم الطفلة” معرضة لمخاطر الوفاة أثناء الولادة بنسبة تفوق النساء البالغات بـ 5 أضعاف
- دعم التعليم وتغليظ العقوبة أبرز الحلول
- شيخ الأزهر:
- زواج القاصرات ظاهرة لا أصل لها في الشريعة الإسلامية
- خبير صحة إنجابية:
- زواج القاصر ليس بناءً لأسرة بل تعريض حياة جيلين للخطر
- الدكتورة مايا مرسي:
- الستر الحقيقي للفتاة هو تعليمها وتمكينها اقتصاديًا، وليس الزواج المبكر
- ممثل اليونيسف بمصر:
- نعمل مع الحكومة المصرية لرفع الوعي بمخاطر هذه الظاهرة الصحية والاجتماعية
كتب: روضة أمين
خلف جدران الصمت وفي غرف البيوت التي أثقلها الفقر، يدور صراع خفي يغتال براءة الفتيات ويقضي على مستقبلهن؛ وهو ظاهرة “زواج القاصرات”.
المشكلة لا تكمن فقط في طفلة ترتدي فستانًا أبيض وهي لا تزال في سن اللعب، بل في “مفرمة” اجتماعية تدخلها الفتاة بعيدًا عن أعين القانون تحت مسمى “الستر”، ما يخلق بيئة غير آمنة تؤدي لضياع حقوقها وحقوق أطفالها، في واقعة تزلزل استقرار الأسرة وتخلق أجيالًا بلا أوراق رسمية أو ملامح واضحة.
في هذا السياق، تؤكد إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حسب آخر مسح صحي للأسرة المصرية) أن نسبة الزواج المبكر لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا، حيث سجلت الإحصائيات أن حوالي 17% من الفتيات في الفئة العمرية (20-24 سنة) سبق لهن الزواج قبل سن الـ 18.
كما تشير تقارير منظمة اليونيسف إلى أن مصر تبذل جهودًا حثيثة لمحاربة هذه الظاهرة التي تحرم الفتيات من حقهن في التعليم والتطور الجسدي السليم، بينما يحذر الأطباء من أن “الأم الطفلة” معرضة لمخاطر الوفاة أثناء الولادة بنسبة تفوق النساء البالغات بـ 5 أضعاف.
آراء واتجاهات مجتمعية (بين القبول والرفض)
تبين أن هناك ما يعادل 40% من الآراء في بعض المناطق الريفية والشعبية لا تزال ترى في “الزواج المبكر” وسيلة للحماية الاجتماعية، وأن 60% من الأهالي والشباب في استطلاعات حديثة أصبحوا “يدينون ويرفضون” هذه الظاهرة بشدة.
وقال فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: “إن زواج القاصرات ظاهرة لا أصل لها في الشريعة الإسلامية، بل هي جريمة ترتكب في حق الطفولة. الإسلام أوجب البلوغ والرشد شرطًا للزواج، وما يحدث الآن من تزويج فتيات في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة هو اتجار بالبشر واعتداء صارخ على حق الفتاة في التعليم والحياة الكريمة”.
من جانبه، قال الأستاذ الدكتور أحمد عزت، خبير الصحة الإنجابية ومسئول المبادرات الصحية: “الأرقام المرصودة لحالات الوفاة بين الأمهات الصغيرات صادمة؛ فجسد الطفلة غير مهيأ فسيولوجيًا للحمل، ما يؤدي لمضاعفات خطيرة مثل تسمم الحمل ونزيف الولادة. زواج القاصر ليس بناءً لأسرة، بل هو تعريض حياة جيلين (الأم والطفل) للخطر”.
فيما أوضحت الدكتورة مايا مرسي، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أن “قضية زواج القاصرات ليست قضية فقر فقط، بل هي قضية وعي زائف. الستر الحقيقي للفتاة هو تعليمها وتمكينها اقتصاديًا، وليس الزواج المبكر الذي ينتهي في أغلب الحالات بضياع الحقوق وتفكك الأسرة”.
وقال جيريمي هوبكنز، ممثل منظمة اليونيسف في مصر: “تظهر البيانات أن الفتيات اللاتي يتزوجن مبكرًا يتسربن من التعليم بنسبة 100% تقريبًا، ما يعزز حلقة الفقر. نحن نعمل مع الحكومة المصرية لرفع الوعي بمخاطر هذه الظاهرة الصحية والاجتماعية”.
والدليل الأكبر على هذه الكارثة هو ما رصده التحقيق في مركز الحسينية بالشرقية؛ حيث تزوجت طفلة (13 عامًا) “عرفيًا”، وتوفي الزوج وهي حامل، ولأن الزواج غير موثق، رفض الأهل الاعتراف بالطفل خوفًا على الميراث.
وانتهى الأمر بتسجيل الحفيد كـ “ابن للجد” في الأوراق الرسمية، ليصبح الرضيع قانونًا “أخًا لأمه”! وهي واقعة تكشف حجم التلاعب بالأنساب والهروب من القانون.
كيفية الوقاية والحلول المقترحة
• تغليظ العقوبة: تفعيل تشريعات صارمة تعاقب “ولي الأمر” والمأذون وكل من يشارك في عقود الزواج العرفي للقاصرات.
• ثورة وعي: تكثيف حملات “طرق الأبواب” لتصحيح مفهوم الستر، والتأكيد على أن “الستر هو الكرامة والعلم”.
• دعم التعليم: توفير برامج دعم مادي للأسر الفقيرة بشرط استكمال الفتيات لتعليمهن.
• تفعيل دور الرصد: تشديد الرقابة في الوحدات الصحية ومكاتب الصحة لمنع تسجيل أطفال لغير آبائهم الحقيقيين.
باختصار؛ زواج القاصرات ظاهرة مدمرة تهدد استقرار الأسرة وسلامة أفرادها، ومواجهتها تتطلب تكاتف المجتمع من أفراد ومؤسسات.
الستر الحقيقي ليس فستانًا أبيض، بل هو توفير بيئة آمنة تضمن للبنت نموًا سليمًا وحياة كريمة تليق بآدميتها بعيدًا عن مفرمة الجهل.
