جراح خفية وندوب دائمة.. العنف الأسري يغتال مستقبل المراهقين خلف الأبواب المغلقة
كتب: منة الله طارق – محمد غريب عبد الرحمن
- العنف الأسري يُدخل المرهق في حالة من “التجمد الشعوري”
- بعض الآباء الذين يمارسون العنف يتمتعون بـ “شخصية سادية”
- الحل يبدأ من “حسن الاستماع” واللجوء الفوري للعلاج “المعرفي السلوكي”
- العنف أزمة تقود المراهق نحو “التطرف أو الجنوح”
- المراهق يتحول لوعاء لتفريغ الكبت النفسي لولي الأمر
- العنف مرض قاسٍ مرتبط باضطراب التحكم في الانفعالات
- “الإنسان السوي” لا يمكنه ارتكاب العنف مهما كانت الضغوط الاجتماعية
- تصرف منبوذ يخالف القيم الدينية والاجتماعية التي تحث على “المعاشرة بالمعروف”
خلف الأبواب المغلقة، وفي صمت قد يمتد لسنوات، يدور صراع مكتوم يهدد بتدمير جيل بأكمله.إن العنف الأسري ليس مجرد صدام عابر، بل هو معول هدم يضرب نفسية ومستقبل المراهقين، ليصبح واحدًا من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، وأشد الانتهاكات تأثيرًا على تماسك الأسرة.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في تعدد أشكالها؛ فهي لا تقتصر على الإيذاء الجسدي فقط، بل تمتد لتشمل التنمر اللفظي والضغط النفسي، ما يخلق “بيئة طاردة” تمنع النمو العاطفي السليم للمراهق، وتدفعه نحو سلوكيات غير صحية، ورغبة دفينة في الانفصال عن الواقع، ليدخل في حالة من “التجمد الشعوري” والشرود الدائم نتيجة عدم فهمه لدوافع هذا العنف.
أرقام وإحصائيات الخطر
وتأكيدًا لخطورة الموقف، كشفت إحصائيات منظمة الصحة العالمية عن واقع صادم، حيث يتعرض 3 من كل 5 أطفال ومراهقين لشكل من أشكال العنف الأسري سنويًا، كما سُجلت نسبة انتشار العنف الجسدي عالميًا بـ 15.7%. وفي هذا السياق، يحذر علماء النفس التربوي من أن هؤلاء الضحايا هم الفئة الأكثر عرضة للتدهور الدراسي وفشل العلاقات الاجتماعية مستقبلًا.
تشخيص طبي: شخصيات سادية ومشاعر متجمدة
وفي محاولة لتحليل سيكولوجية المعتدي، أوضح الدكتور جمال عبد الفتاح، أخصائي الطب النفسي، أن بعض الآباء الذين يمارسون العنف يتمتعون بـ “شخصية سادية” تتلذذ بعذاب الآخرين.
وقال “عبد الفتاح”، في حديث خاص مع «العائلة»، إن العنف يتخذ صورًا متعددة كالتهديد والعدوانية اللفظية، وهي سلوكيات تبني “شخصية مهتزة” للمراهق، تجعله غير قادر على التمييز بين لغة الحوار السوية مع الأهل أو الأصدقاء.
وشدد على ضرورة “المراقبة الواعية”، داعيًا لتكاتف المدرسين والجامعات لرصد أي تغير في سلوك الأبناء، مع ضرورة دمج المراهق في أنشطة رياضية وفنية كالرسم والموسيقى، مؤكدًا أن الحل يبدأ من “حسن الاستماع” واللجوء الفوري للعلاج “المعرفي السلوكي” عند ظهور أي اضطراب.
آراء الخبراء: بين المرض النفسي والضغوط الاجتماعية
لم تتوقف التحذيرات عند هذا الحد؛ حيث يرى الدكتور جمال فرويز والدكتور إيهاب عيد أخصائيا الطب النفسي، أن العنف ليس تصرفًا عابرًا، بل أزمة تقود المراهق نحو “التطرف أو الجنوح”.
من جانب آخر، يربط الدكتور عبد الواحد وجيه هذه الظاهرة بأسباب مادية وتربوية مثل الفقر والبطالة، حيث يتحول المراهق لوعاء لتفريغ الكبت النفسي لولي الأمر.
وفي تحليل أعمق لشخصية المعنف، يصف الدكتور عبد الناصر عمر العنف بـ “المرض القاسي” المرتبط باضطراب التحكم في الانفعالات أو ما يسمى “الشخصية الحدية” التي تفتقر للمشاعر.
في سياق متصل، كشفت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، أن العنف الأسري يعكس خللًا في الاتزان النفسي، مؤكدة أن “الإنسان السوي” لا يمكنه ارتكاب العنف مهما كانت الضغوط الاجتماعية من حوله.
رفض مجتمعي وقلق متزايد
وعلى الصعيد الشعبي، أظهرت استطلاعات الرأي حالة من التوجس المجتمعي، حيث أقر 46% من الأهالي بأن العنف الأسري منتشر بدرجة كبيرة، معتبرين إياه تصرفًا منبوذًا يخالف القيم الدينية والاجتماعية التي تحث على “المعاشرة بالمعروف”.
روشتة الوقاية.. كيف نحمي جيل المستقبل؟
ختامًا، لا يمكن مواجهة هذا “الغول” إلا من خلال استراتيجية وقائية تشمل:
تعزيز التوعية المجتمعية بمخاطر العنف وأساليب التربية الإيجابية.
توفير منصات دعم نفسي متخصصة وسرية للمراهقين.
تفعيل دور المؤسسات التعليمية في رصد حالات العنف وتقديم المساعدة القانونية والنفسية.
خاتمة
إن مواجهة العنف الأسري هي معركة “وعي وتكاتف” بين الأفراد والمؤسسات، لضمان بيئة آمنة تخرج لنا جيلًا سويًا قادرًا على بناء المجتمع لا هدمه.
