المقارنات بين الأزواج.. دافع للتطوير أم سبب للانهيار؟
- البعض يستخدم المقارنة كوسيلة للهروب من مشكلاتهم الحقيقية بدلًا من مواجهتها
- المقارنة البنّاءة تهدف إلى التطوير وتحسين العلاقة
- يجب تحديد مصادر المقارنة وتقليلها خاصة وسائل التواصل الاجتماعي
- يجب تعزيز الهوية الخاصة بالعلاقة الزوجية والتركيز على مميزاتها الخاصة
كتب: يمنى أيمن سامي
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تعرض صورًا مثالية لعلاقات تبدو خالية من المشاكل، بدأ الكثير من الأزواج يقعون في فخ المقارنة بين حياتهم وحياة الآخرين، دون إدراك أن ما يُعرض لا يمثل الحقيقة الكاملة.
ومن هنا جاءت فكرة هذا الحوار الذي أجرته «العائلة» مع مع الطبيب النفسي الدكتور محمود تمام، للبحث في واحدة من أكثر الظواهر انتشارًا داخل العلاقات الزوجية، وهي المقارنات بين الأزواج، لفهم أسبابها، وخطورتها، وكيف يمكن أن تتحول من عامل هدم إلى وسيلة للتطوير.
هل يميل بعض الأزواج والزوجات إلى مقارنة علاقاتهم بعلاقات الآخرين؟ ولماذا؟
نعم، من وجهة نظر علماء النفس يميل كثير من الأزواج والزوجات إلى مقارنة علاقاتهم بعلاقات الآخرين، ويُعد هذا الأمر من الظواهر المنتشرة في العصر الحالي، بل ويعتبره بعض المتخصصين “آفة” تؤثر بالسلب على الحياة الزوجية من جميع الجوانب النفسية والاجتماعية والعاطفية.
وترجع هذه الظاهرة إلى عدة أسباب رئيسية، من أهمها:
أولًا: عدم الأمان النفسي (Insecurity)، وهو من أهم وأخطر الأسباب، حيث يعاني أحد الزوجين أو كلاهما من ضعف الثقة بالنفس وتدني تقدير الذات، وعدم تقدير مجهود الطرف الآخر أو دعمه، فيلجأ للمقارنة كوسيلة لتعويض هذا النقص والشعور بالقيمة.
ثانيًا: النظرية الاجتماعية للمقارنة، حيث يرى علماء النفس أن الإنسان لديه دافع فطري لتقييم نفسه من خلال مقارنة آرائه وقدراته وعلاقاته بالآخرين، خاصة في غياب معايير واضحة، ما يؤدي غالبًا إلى مقارنات غير عادلة وغير دقيقة.
ثالثًا: تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعرض صورًا مثالية ومبالغ فيها عن حياة الآخرين، ما يخلق فجوة بين الواقع والخيال، فيشعر الزوجان أن علاقتهما أقل سعادة رغم أن هذه الصور غالبًا غير واقعية.
رابعًا: البحث عن معايير مرجعية، حيث يقارن الأزواج أنفسهم بالأقارب أو الأصدقاء لمعرفة ما إذا كانت حياتهم طبيعية أم لا، وهو سلوك قد يكون مضللًا.
خامسًا: آليات التكيف غير الصحية، حيث يستخدم البعض المقارنة كوسيلة للهروب من مشكلاتهم الحقيقية بدلًا من مواجهتها.
سادسًا: الغيرة وصراع السيطرة، حيث تُستخدم المقارنة أحيانًا كوسيلة ضغط لتغيير سلوك الطرف الآخر أو لإثبات التفوق.
هل هناك فرق بين المقارنة البنّاءة والمقارنة الهدامة في العلاقات الزوجية؟
نعم، يوجد فرق كبير وواضح بين المقارنة البنّاءة والمقارنة الهدامة، ويكمن الفرق الأساسي في الهدف والأسلوب والنتيجة.
المقارنة البنّاءة تهدف إلى التطوير وتحسين العلاقة، حيث تركز على سلوك معين وليس على شخصية الشريك بالكامل.
فعلى سبيل المثال، قد يقول أحد الزوجين: “أتمنى أن نتعاون أكثر في الأعمال المنزلية مثل بعض الأزواج الآخرين”، وهنا يكون الهدف هو التحسين وليس التقليل من الآخر.
كما أنها:
تعزز روح التعاون والدعم.
تُطرح بأسلوب محترم وهادئ.
تترك مساحة للحوار والتفاهم.
تساعد في حل المشكلات.
أما المقارنة الهدامة فهي عكس ذلك تمامًا، حيث:
تهاجم شخصية الشريك وقيمته.
تُستخدم بأسلوب ساخر أو جارح.
تهدف لإثبات النقص أو التقليل من الطرف الآخر.
غالبًا ما تكون نتيجة إحباطات متراكمة.
مثل قول: “انظر إلى زوج فلانة، هو أفضل منك في كل شيء”، وهذه المقارنة تؤدي إلى:
ضعف الثقة بالنفس.
الشعور بالإهانة.
زيادة التوتر والخلافات.
وقد تصل إلى الاكتئاب أو الانفصال.
وهنا يتضح أن الفرق ليس في وجود المقارنة نفسها، بل في النية والأسلوب والتوقيت؛ فالمقارنة البنّاءة تكون نادرة ومحددة وتركز على السلوك، أما المقارنة الهدامة فتكون عامة ومتكررة وتهاجم شخصية الشريك.
كيف يمكن للزوج أو الزوجة التوقف عن مقارنة حياتهما بالآخرين؟
يمكن التوقف عن المقارنة من خلال مجموعة من الخطوات العملية، منها:
أولًا: الوعي بأن المقارنة فطره طبيعية لكنها تصبح ضارة عند الإفراط فيها.
ثانيًا: تحديد مصادر المقارنة وتقليلها، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض صورًا مثالية غير حقيقية وتذكير النفس بأن ما ينشر هو أبرز اللقطات وليس الواقع الكامل.
ثالثًا: ممارسة الامتنان اليومي، من خلال التركيز على النعم والإيجابيات في الحياة، مثل تدوين أشياء جيدة تحدث يوميًا.
رابعًا: وضع أهداف مشتركة داخل العلاقة بدلًا من مقارنة النفس بالآخرين، مثل تحسين التواصل أو قضاء وقت مشترك.
خامسًا: إعادة التفكير بطريقة عقلانية (إعادة الهيكلة المعرفية)، مثل التساؤل:
هل ما أراه عند الآخرين حقيقي؟
هل هذه مقارنة عادلة؟
سادسًا: تعزيز الهوية الخاصة بالعلاقة الزوجية والتركيز على مميزاتها الخاصة.
سابعًا: ممارسة اليقظة الذهنية والتركيز على الحاضر بدل الانشغال بحياة الآخرين.
في النهاية، يتضح أن المقارنة بين الأزواج ليست المشكلة في حد ذاتها، بل في طريقة استخدامها وتكرارها وأسلوب التعبير عنها، فالمقارنة قد تكون أحيانًا دافعًا للتطوير إذا كانت بنّاءة وهادئة، لكنها تتحول إلى أداة هدم حين تُستخدم للإهانة أو التقليل من الطرف الآخر.
لذلك، تبقى العلاقة الزوجية الصحية قائمة على الفهم والاحتواء والتقدير المتبادل، وليس على مقارنات مستمرة تُفقدها توازنها وتزيد من الفجوة بين الطرفين.
