من العزلة القسرية إلى كسر الحواجز.. كيف انتصر شاب يمني على التوحد داخل المجتمع المصري؟
- كانت بداية مرحلة المواجهة عندما قررت أن أحاول التعامل مع الناس بشكل طبيعي
- كنت أعاني من صعوبة في الكلام مع الناس والتركيز الزائد في التفاصيل
- أصعب شيء كان فقدان الثقة سواء في نفسي أو في الناس
- كنت أتعرض للتجاهل في أوقات كثيرة بسبب عدم فهم الناس لطبيعتي
- دعم أصدقائي ساعدني على أن أندمج تدريجيًا وأكسر حاجز الخوف
- حاولت إجبار نفسي على الاحتكاك بالناس رغم الخوف في البداية
- أهم إنجاز بالنسبة لي هو أنني استطعت التغلب على خوفي من الناس
كتب : منة الله جمال
في ظل تزايد الحديث عن اضطراب التوحد وحقوق ذوي الهمم في الاندماج المجتمعي، تبرز قصص إنسانية تحمل بين طياتها معاني التحدي والإرادة.
هذه ليست مجرد حالة مرضية، بل رحلة صراع مع النفس والمجتمع، تبدأ بالعزلة والخوف، وقد تنتهي بالثقة والاندماج.
في هذا التحقيق، نقترب من تجربة الشاب اليمني محمد عبد الله قائد، القادم من صنعاء والمقيم في مصر لاستكمال دراسته الجامعية، والذي خاض رحلة معقدة مع التوحد، واجه خلالها التنمر والعزلة، قبل أن ينجح في استعادة ثقته بنفسه وفرض حضوره داخل المجتمع.
في البداية، هل يمكن أن تحدثنا عن طفولتك؟
كانت طفولتي متقلبة إلى حد ما، لكن أستطيع القول إن الفترة من سن 7 إلى 10 سنوات كانت ممتعة بالنسبة لي، قبل أن تبدأ التحديات تظهر بشكل أوضح بعد ذلك.
متى بدأت تظهر عليك أعراض التوحد؟
الأعراض بدأت تظهر من سن 12 إلى 16 سنة، وفي سن 17 كانت بداية مرحلة المواجهة، عندما قررت أن أحاول التعامل مع الناس بشكل طبيعي.
متى علمت بإصابتك؟ وكيف تم التشخيص؟
عرفت في سن 18 سنة، وتم التشخيص على يد طبيب أمراض نفسية.
قبل ذلك، كنت معزولًا لفترة طويلة بسبب ظروف أسرية صعبة، حيث منعني أهلي من الخروج من سن 12 إلى 17 خوفًا عليّ.
ما أبرز الأعراض التي كنت تعاني منها؟
كنت أعاني من صعوبة في الكلام مع الناس، وانعدام الثقة فيهم، والتركيز الزائد في التفاصيل بشكل يجعل الأمور تكبر في دماغي، بالإضافة لرغبتي في الكمال، وأيضًا كنت أتضايق جدًا من الأصوات العالية.
كيف كان رد فعل أسرتك وقتها؟
في الحقيقة، أسرتي لم تكن على دراية بحالتي في البداية، ولم يلاحظوا الأعراض بسبب قلة اختلاطي بهم، لكن بعد التشخيص، بدأوا يفهموا الوضع ويدعموني بشكل تدريجي.
ما أصعب التحديات التي واجهتك بسبب التوحد؟
أصعب شيء كان فقدان الثقة، سواء في نفسي أو في الناس، وأيضًا الخوف من أي شيء غير مألوف بالنسبة لي.
هل واجهت صعوبات في تكوين صداقات؟
نعم جدًا، خاصة بعد ما غيرت المدرسة، كنت معتادًا على نفس الزملاء لفترة طويلة، وعندما دخلت بيئة جديدة كان صعبًا جدًا أن أكون صداقات.
هل تعرضت للتنمر أو سوء الفهم من المجتمع؟
للأسف تعرضت للتنمر بسبب شكلي، لأني كنت ألبس جاكت وكوفية أغطي بهما جزءًا من وشي، وهذا جعل بعض الناس يروني كشخص ضعيف أو لديه مشكلة في الثقة بالنفس.
أيضًا كنت أتعرض للتجاهل في أوقات كثيرة بسبب عدم فهمهم لطبيعتي.
ما الذي ساعدك على التحسن وتخطي هذه المرحلة؟
دعم أصدقائي كان العامل الأكبر، كانوا يشجعونني على أن أخرج وأتعرف على ناس جديدة وأشارك في أنشطة مثل لعب كرة القدم، وهذا ساعدني على أن أندمج تدريجيًا وأكسر حاجز الخوف.
هل كان هناك دور لمتخصصين في رحلتك؟
في الحقيقة، التأثير الأكبر لم يكن من طبيب، لكن من المدرسين وأصدقائي، هم الذين دعموني وساعدوني لأتحسن.
كيف تمكنت من تطوير مهاراتك الاجتماعية؟
حاولت إجبار نفسي على الاحتكاك بالناس رغم الخوف في البداية.
التجربة الأولى كانت صعبة جدًا، لكن مع الوقت والدعم، استطعت خطوة بخطوة أن أطور طريقة تواصلي مع الآخرين.
كيف ترى دور الأسرة والمجتمع في رحلتك؟
دور الأسرة لم يكن كبيرًا في البداية، بل يمكن أن أقول إنه كان جزءًا من المشكلة بسبب العزلة التي فرضت عليّ، لكن بعد ذلك بدأوا يدعموني.
أما المجتمع، فكان له دور أكبر لأنه ساعدني على أن أختلط بالناس وأتعلم التعامل معهم.
ما الرسالة التي تود توجيهها للمجتمع بشأن التوحد؟
ج: أتمنى أن يفهم الناس قبل أن تحكم أو تتنمر، وأن يتعاملوا مع الشخص المصاب بالتوحد بشكل طبيعي، لأنه في النهاية إنسان مثلهم، وكلما كانت المعاملة طبيعية، ستتحسن الحالة، والعكس صحيح.
ما أبرز إنجاز حققته بعد رحلة التعافي؟
أهم إنجاز بالنسبة لي هو أنني استطعت التغلب على خوفي من الناس، وقدمت عرضًا لأول مرة أمام زملائي بدون توتر، وهذا جعلني أشعر أنني شخص طبيعي وسطهم.
كيف ترى نفسك الآن مقارنةً بالماضي؟
أرى أنني تحسنت كثيرًا، وثقتي في نفسي زادت، وأصبحت أتعامل مع الناس بشكل طبيعي ومن غير خوف أو إحراج.
هل لا يزال التوحد يؤثر عليك حتى الآن؟
ج: بشكل بسيط جدًا، مثل الانزعاج من الأصوات العالية أو الزحمة، لكني أصبحت أتعامل مع هذا بهدوء.
في الختام، تؤكد تجربة محمد عبد الله قائد أن التوحد ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لرحلة مليئة بالتحديات التي يمكن تجاوزها بالإرادة والدعم المجتمعي.
كما تكشف قصته عن أهمية الوعي الأسري والمجتمعي في التعامل مع ذوي الهمم، ليس باعتبارهم حالات تحتاج للشفقة، بل أفرادًا يمتلكون القدرة على النجاح والاندماج إذا أُتيحت لهم الفرصة.
وفي النهاية، تظل الرسالة الأهم: التقبل يصنع الفارق، والإنسانية هي الطريق الحقيقي للدمج.
