بين شاشة تسرق عقل الطفل و«دلع» يضعف شخصيته.. كيف نربي طفلًا قويًا في زمن «الهشاشة»؟
- الدكتورة علا عادل:
- الطفل في المرحلة الأولى يبدأ في تكوين صورته عن نفسه وعن العالم من حوله
- المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها بل في غياب التوازن
- الدكتور أسامة صبحي:
- الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة وداعمة يكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية لاحقًا
- منع الطفل من التجربة يحرمه من أهم أدوات التعلم
- طبيعة العلاقة بين الوالدين تنعكس مباشرة على شخصية الطفل
- فاتن فؤاد:
- الخوف الزائد على الطفل يجعله عاجزًا عن مواجهة الحياة
- الطفل المعاصر يعيش بين عالمين هما الواقع والشاشة
- لا يمكن أن نطلب من الطفل سلوكًا معينًا بينما نمارس عكسه أمامه
كتب: أحمد فكري
في أحد الفصول الابتدائية، لا يحتاج الأمر أحيانًا سوى لحظة بسيطة حتى يتحول موقف عابر بين طفلين إلى انفعال حاد أو سلوك عدواني.
معلمة ترفع صوتها لتهدئة الصف، وطفل يرفض الالتزام بالتعليمات، بينما آخر يبدو شاردًا كليًا.
مشاهد يومية تتكرر داخل البيوت والمدارس، لتطرح سؤالًا أكبر من مجرد سلوك لحظي: هل نحن أمام جيل أكثر هشاشة نفسيًا؟
في زمن أصبح فيه الهاتف المحمول جزءًا أساسيًا من حياة الطفل، لم يعد دور الأسرة يقتصر على الطعام والملبس فقط، بل امتد ليصبح التحدي الحقيقي هو: كيف نُنشئ طفلًا واثقًا من نفسه، قادرًا على التعبير عن مشاعره، ومحصنًا ضد المقارنات وضغوط العالم الرقمي؟
أول 5 سنوات.. لحظة التأسيس الحقيقي
تؤكد الدكتورة علا عادل، استشارية الدعم النفسي، أن شخصية الطفل لا تُترك للصدفة، بل تبدأ ملامحها الأولى في السنوات المبكرة جدًا من عمره.
وتقول: “الطفل في هذه المرحلة لا يتعلم فقط الكلام أو الحركة، بل يبدأ في تكوين صورته عن نفسه وعن العالم من حوله”.
وتشير إلى أن أبسط الممارسات اليومية، مثل السماح للطفل باختيار ملابسه أو التعبير عن رأيه في أشياء صغيرة، تساهم في بناء إحساسه بالاستقلال والثقة.
فيما أكد الدكتور أسامة صبحي، استشاري الطب النفسي، أن هذه المرحلة هي الأساس في تشكيل الشعور بالأمان النفسي، موضحًا أن الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة وداعمة يكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية لاحقًا.
بين القسوة والدلع.. تربية بلا توازن
التربية السليمة ليست سيطرة مطلقة ولا حرية بلا حدود، بل هي منطقة وسطى دقيقة.
وترى فاتن فؤاد، مدرسة وأم، أن أحد أبرز أخطاء التربية الحالية هو فقدان التوازن، قائلة: “الخوف الزائد على الطفل يجعله عاجزًا عن مواجهة الحياة، كما أن التدليل المفرط يجعله غير مستعد لأي مسئولية”.
وتقترح تقسيم مراحل التربية إلى مراحل عمرية واضحة، تبدأ بالتوجيه في السنوات الأولى، ثم التدرج في منح الطفل المسئولية.
ويؤكد الدكتور أسامة صبحي أن الطفل لا يتعلم من التوجيه النظري فقط، بل من التجربة والخطأ، مشيرًا إلى أن منع الطفل من التجربة يحرمه من أهم أدوات التعلم.
الموبايل.. المربي الصامت داخل البيت
لم يعد الحديث عن التربية منفصلًا عن التكنولوجيا.
تصف فاتن فؤاد الطفل المعاصر بأنه يعيش بين عالمين؛ الواقع والشاشة، مشيرة إلى أن غياب الرقابة على استخدام الهاتف يؤدي إلى عزلة تدريجية.
وتوضح الدكتورة علا عادل أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب التوازن، قائلة: “حين يتحول الطفل إلى متلقٍ فقط للمحتوى، تتراجع قدراته الاجتماعية والتواصلية بشكل ملحوظ”.
وتضيف أن الحل لا يكون بالمنع الكامل، بل بتنظيم الوقت وتوجيه الاستخدام نحو التعلم والتفاعل.
الأبناء لا يقلدون الكلام.. بل السلوك
تشير فاتن فؤاد إلى أن الأطفال لا يتأثرون بما يُقال لهم بقدر ما يتأثرون بما يرونه في الواقع.
وتوضح: “لا يمكن أن نطلب من الطفل سلوكًا معينًا بينما نمارس عكسه أمامه”.
ويؤكد الدكتور أسامة صبحي أن طبيعة العلاقة بين الوالدين تنعكس مباشرة على شخصية الطفل، فبيئة مليئة بالتوتر والخلافات تصنع طفلًا قلقًا، بينما بيئة مستقرة تمنحه شعورًا بالأمان.
كيف نبني شخصية طفل قوية؟
من خلال آراء الخبراء، يمكن تلخيص أهم خطوات بناء شخصية متوازنة في النقاط التالية:
تعزيز الاستقلالية: إعطاء الطفل مهام بسيطة تناسب عمره وتشجيعه على تحمل نتائج قراراته.
فتح الحوار: استخدام الاختيارات بدل الأوامر المباشرة.
الاحتواء النفسي: دعم الطفل عاطفيًا دون إفراط أو إهمال.
الاتساق الأسري: توحيد أسلوب التربية بين الأب والأم.
التوازن الرقمي: تنظيم استخدام التكنولوجيا بدل منعها بشكل كامل.
كلمة أخيرة
بناء شخصية الطفل لا يحتاج إلى أدوات معقدة، بل إلى وعي وصبر واستمرارية.
وكما تقول فاتن فؤاد: “التربية ليست لحظة، بل رحلة يومية.. وكل يوم هو فرصة جديدة لبناء إنسان قادر على مواجهة الحياة”.
في النهاية، الطفل القوي لا يُصنع في بيئة مثالية، بل في بيت فيه حب، وحدود واضحة، ومساحة آمنة للتجربة والخطأ.
