جيل “يعتمد على غيره”.. هل فشلنا في تربية الأبناء على المسئولية؟
- خبراء يحذرون: الحماية الزائدة والتدليل يحرمان الطفل من أهم مهارة في حياته
- الدكتورة علا عادل:
- إشراك الطفل في قرارات صغيرة يساعده على تكوين شخصية قادرة على اتخاذ القرار
- الطفل أصبح طول الوقت مستقبلًا دون أن يجرب ما يحرمه من أهم عناصر التعلم
- الدكتور أسامة صبحي:
- الاعتماد على أسلوب التخويف أو الضغط لا يبني شخصية مستقلة
- الأستاذ جمال رمضان:
- المدرسة أصبحت تقوم بدور الأب والأم وليس فقط التعليم
- كثير من التلاميذ يفتقدون مهارات أساسية بسبب غياب الدور التربوي داخل الأسرة
- الأستاذة فاتن فؤاد:
- التعلم الحقيقي لا يأتي من التعليمات فقط بل من التجربة المباشرة
كتب: أحمد فكري
داخل أحد الفصول الدراسية، يطلب معلم من تلميذ بسيط أن يُكمل واجبه، لكن الطفل يتردد، ينظر حوله، ينتظر من يرشده.
يحاول المعلم مساعدته، فيكتشف أن المشكلة ليست في صعوبة السؤال، بل في أن الطفل لم يتعلم من الأساس كيف يبدأ.
مشهد قد يبدو عاديًا، لكنه يكشف عن أزمة أعمق: أطفال يكبرون دون أن يتعلموا كيف يعتمدون على أنفسهم.
في زمن تغيّرت فيه أساليب التربية، لم تعد المسئولية مهارة تلقائية، بل أصبحت تحديًا حقيقيًا داخل كل بيت.
المسئولية تبدأ مبكرًا
تؤكد الدكتورة علا عادل، المتخصصة في تعديل السلوك، أن بناء شخصية الطفل يبدأ منذ سنواته الأولى، مشيرة إلى أن الاستقلالية لا تُفرض فجأة، بل تُبنى تدريجيًا.
وتقول: “الطفل ليس آلة، ويجب أن نعلمه الاعتماد على نفسه مبكرًا، حتى في الأشياء البسيطة مثل اختيار ملابسه”.
وترى أن إشراك الطفل في قرارات صغيرة، ومنحه مساحة للاختيار، يساعده على تكوين شخصية قادرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
من “تنفيذ الأوامر” إلى “تحمل القرار”
لكن المشكلة، كما توضح الدكتورة علا عادل، أن بعض الأسر لا تزال تعتمد على أسلوب الأوامر المباشرة،
ما يجعل الطفل مجرد منفذ، لا مشارك.
وتضيف: “عندما يعتاد الطفل أن يتلقى أوامر فقط، طبيعي أن يرفض، لأنه لا يشعر أن له رأيًا”.
ومع الوقت، يفقد الطفل القدرة على اتخاذ القرار،
ويصبح الاعتماد على الآخرين هو خياره الأسهل.
بين القسوة والتدليل.. تضيع الشخصية
في المقابل، يقع كثير من الآباء في خطأ آخر، وهو الاعتقاد أن الحب يعني تلبية كل احتياجات الطفل دون مجهود منه.
لكن الحقيقة – كما يشير الخبراء – أن:
* القسوة تُخيف الطفل.
* والتدليل يُضعفه.
بينما الحل الحقيقي يكمن في التوازن بين الحزم والاحتواء.
الخوف لا يصنع مسئولية
يحذر الدكتور أسامة صبحي، استشاري الأمراض النفسية، من الاعتماد على أسلوب التخويف أو الضغط، مؤكدًا أن هذا الأسلوب لا يبني شخصية مستقلة.
ويقول: “عندما يُربى الطفل على الخوف، يتعلم تجنب العقاب، ولا يفهم الصحيح”.
ويضيف أن ربط الحب بالإنجاز فقط، يجعل الطفل أكثر قلقًا،
ويفقده الثقة في نفسه، بدلًا من أن يدفعه للاعتماد عليها.
المدرسة.. حين تتحمل ما ليس لها
من داخل المدرسة، يرصد الأستاذ جمال رمضان، مدير مدرسة الشهيد إسلام الابتدائية، تغيرًا واضحًا في سلوك الأطفال خلال السنوات الأخيرة.
ويقول: “المدرسة أصبحت تقوم بدور الأب والأم، وليس فقط التعليم”.
مشيرًا إلى أن كثيرًا من التلاميذ يفتقدون مهارات أساسية، مثل الالتزام وتحمل المسئولية، بسبب غياب الدور التربوي داخل الأسرة.

سوء التربية يظهر في التفاصيل
بحسب “رمضان”، لم تعد المشكلة مقتصرة على المستوى الدراسي، بل امتدت إلى السلوكيات اليومية:
* ضعف الالتزام.
* عدم احترام المعلم.
* الاعتماد الكامل على الآخرين.
ويقول: “قديمًا كان الطالب يحترم المدرس، لكن الآن يمكن أن يراه ولا يهتم”.
ويرجع ذلك إلى غياب المتابعة من الأسرة، وعدم غرس قيم المسئولية منذ الصغر.

الموبايل.. بديل خطير للتجربة
عامل آخر يزيد الأزمة تعقيدًا، وهو الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا.
ترى الدكتورة علا عادل أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في تحول الطفل إلى “متلقٍ دائم”.
وتقول: “الطفل أصبح طول الوقت مستقبلًا، دون أن يجرب، ما يحرمه من أهم عناصر التعلم: التجربة، والخطأ، واكتساب الخبرة.
التجربة.. الطريق الوحيد للتعلم
وتؤكد الأستاذة فاتن فؤاد، مدرسة الأحياء، أن التعلم الحقيقي لا يأتي من التعليمات فقط، بل من التجربة المباشرة.
وتقول: “المخ لا يتعلم إلا بالتجربة”.
وتحذر من أن الحماية الزائدة، رغم نواياها الطيبة،
قد تخرج طفلًا غير قادر على اتخاذ قرار.
وتستشهد بحالة لطالب جامعي أُجبر على اختيار تخصص لا يريده، ففشل فيه، قبل أن يقرر لاحقًا تغيير مساره بعد أن تحمّل نتيجة قرار لم يكن له فيه رأي.

المشكلة في جملة واحدة
الطفل الذي لا يُسمح له بتحمل مسئولية صغيرة، لن يستطيع مواجهة قرار كبير حين يكبر.
حلقة ناقصة.. ونتيجة واحدة
يتفق الخبراء على أن التربية لا يمكن أن تنجح دون تكامل حقيقي بين البيت والمدرسة.
ويؤكد مدير المدرسة: “لو حلقة واحدة غابت، ستقع العملية كلها”.
فغياب دور الأسرة، لا يمكن أن تعوضه المدرسة وحدها،
كما أن غياب المتابعة يُفقد الطفل الإحساس بالمسؤولية.
ماذا يحتاج الطفل فعلًا؟
في النهاية، لا يحتاج الطفل إلى بيئة مثالية، بل إلى بيئة واعية.
بيئة:
* تمنحه فرصة الاختيار.
* تسمح له بالخطأ.
* وتعلمه تحمّل النتائج.
كما تلخص الدكتورة علا عادل: “اتركه يجرب، فقط علّمه القواعد، وهو الذي يشكل تجربته”.
في النهاية، في عالم سريع لا ينتظر أحدًا، لم تعد الحماية وحدها كافية، بل قد تكون أحيانًا عائقًا، فالطفل الذي لم يتعلم كيف يعتمد على نفسه صغيرًا، قد يجد نفسه عاجزًا أمام أول اختبار حقيقي في الحياة، لأن أخطر ما يمكن أن نتركه لأبنائنا، ليس الفشل، بل العجز عن المحاولة.
