حين يصبح العقل ساحة صراع.. رحلة في أعماق اضطرابات الشخصية
- اضطراب الشخصية الحدية أحد أكثر الاضطرابات تعقيدًا
- المصاب باضطراب الشخصية النرجسية يعاني من صعوبة في التعاطف مع الآخرين
- العلاج النفسي يساعد على فهم الأنماط السلوكية وتطوير مهارات التعامل مع المشاعر
- العلاج المعرفي السلوكي يساعد في تحسين العديد من أعراض المزاج والقلق
بقلم: هدى إيهاب الدين
في كثير من الأحيان، نصف من حولنا بأنهم “حسّاسون أكثر من اللازم”، أو “منعزلون”، أو حتى “أنانيون”، لكن خلف هذه الأوصاف الشائعة، قد تختبئ حقيقة أكثر تعقيدًا: اضطرابات نفسية تُعرف بـ “اضطرابات الشخصية”.
هذه الحالات لا تتعلق بسوء سلوك أو ضعف إرادة، بل بأنماط عميقة ومستمرة تؤثر على طريقة التفكير والشعور وبناء العلاقات، وقد تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة مما تبدو عليه من الخارج.
في عالم الصحة النفسية، لا تُعدّ الشخصية مجرد مجموعة من الصفات العابرة، بل هي منظومة متكاملة من الأفكار والمشاعر وأنماط السلوك التي تُشكّل طريقة تفاعل الإنسان مع ذاته والآخرين.
لكن حين تصبح هذه السمات جامدة، متطرفة، وتفقد مرونتها، قد تتحول إلى ما يُعرف بـ “اضطرابات الشخصية”.
وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، تُعرّف اضطرابات الشخصية بأنها أنماط دائمة من التجربة الداخلية والسلوك تنحرف بشكل ملحوظ عن توقعات الثقافة، وتكون ثابتة عبر الزمن، وتؤدي إلى معاناة أو خلل وظيفي واضح.
وغالبًا ما تبدأ هذه الأنماط في الظهور منذ المراهقة أو بدايات البلوغ، وتستمر دون تدخل علاجي.
أنماط مختلفة.. ومعاناة واحدة
اضطراب الشخصية الحدية
أحد أكثر الاضطرابات تعقيدًا، حيث يعيش المصاب تقلبات عاطفية حادة وسريعة.
العلاقات هنا تكون غير مستقرة، والخوف من الهجر قد يدفع إلى ردود فعل اندفاعية.
ورغم الصورة المتوترة، فإن ما يعانيه الشخص في الداخل هو شعور عميق بعدم الأمان وفراغ نفسي مستمر.
اضطراب الشخصية الاجتنابية
يبدو المصاب وكأنه يختار العزلة، لكنه في الحقيقة يخشى الرفض أكثر مما يحتمل.
يتجنب المواقف الاجتماعية، ويشعر بعدم الكفاءة، ما يضعه في دائرة مغلقة من الوحدة والقلق.
اضطراب الشخصية النرجسية
خلف الثقة الظاهرة، توجد حاجة مستمرة للإعجاب وتقدير الذات.
يعاني المصاب من صعوبة في التعاطف مع الآخرين، وغالبًا ما تتأثر علاقاته بسبب هذا النمط.
لكن المفارقة أن هذا “التفوق الظاهري” قد يخفي هشاشة داخلية عميقة.
اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع
يتجلى هذا الاضطراب في تجاهل القوانين وحقوق الآخرين، مع سلوكيات اندفاعية أو استغلالية.
وقد يرتبط بصورة نمطية سلبية، لكنه في جوهره نتاج تفاعل معقد بين عوامل نفسية وبيئية.
كيف تتشكل هذه الاضطرابات؟
لا يمكن ردّ اضطرابات الشخصية إلى سبب واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها:
تجارب الطفولة، خاصة الصدمات أو الإهمال.
الاستعداد الوراثي.
البيئة الأسرية والاجتماعية.
هذا التعقيد يجعل كل حالة مختلفة، ويؤكد أن التعامل معها يحتاج إلى فهم عميق، لا أحكام سريعة.
العلاج.. طريق طويل لكنه ممكن
رغم أن اضطرابات الشخصية تُعد من الحالات الممتدة، فإنها ليست بلا حل.
العلاج النفسي، خاصة طويل المدى، يُعد الخيار الأساسي، إذ يساعد على:
فهم الأنماط السلوكية.
تطوير مهارات التعامل مع المشاعر.
تحسين العلاقات.
وتشير تقارير صادرة عن Mayo Clinic وNational Institute of Mental Health إلى أن التحسن التدريجي ممكن، خاصة مع الالتزام بالعلاج والدعم المستمر.
ويقول الدكتور محمد الهنداوي، في أحد اللقاءات التلفزيونية، حين تم سؤاله عن طرق علاج اضطرابات الشخصية: “العلاج يكون حسب المعاناة، فإذا كان المصاب بالاضطراب يعاني من توتر أو قلق شديد، أو نوبات الهلع أو الاكتئاب، ففي تلك الحالات نحتاج إلى التدخل الدوائي، حيث إن تلك المشكلات لا تعالج إلا بالدواء”.
وأضاف: “في حالة وجود سلوك إندفاعي، أو مشكلة في التعامل مع الغضب، أو عدم القدرة على معالجة الأفكار، خصوصًا الأفكار الاندفاعية، في تلك الحالات قد يحتاج الأمر إلى دواء”.
وتابع: “الأساس في علاج اضطرابات الشخصية، هو العلاج الكلامي”.
ومن أساليب العلاج الكلامي الذي تحدث عنه “هنداوي”، وحسب التقرير الصادر عن الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، فإنه من الأمثلة على العلاجات النفسية المستخدمة في علاج اضطرابات الشخصية : العلاج الجدلي السلوكي (DBT) والعلاج السلوكي المعرفي (CBT) .
يستخدم العلاج الجدلي السلوكي (DBT) مفاهيم اليقظة والقبول أو الوعي بالوضع الحالي والحالة العاطفية.
ويشمل أيضًا التدريب على مهارات التحكم في المشاعر، وتقليل السلوكيات المدمرة للذات، وتحسين العلاقات.
ويمكن أن يساعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الأشخاص الذين يعانون من أحد اضطرابات الشخصية في تحديد وتغيير المعتقدات والسلوكيات الأساسية التي تكمن وراء التصورات غير الدقيقة لأنفسهم وللآخرين ومشاكل التفاعل مع الآخرين.
وقد يساعد العلاج المعرفي السلوكي في تحسين العديد من أعراض المزاج والقلق وتقليل عدد السلوكيات الانتحارية أو إيذاء النفس.
بين الواقع والوصمة
التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الأعراض، بل في نظرة المجتمع.
إذ يُساء تفسير هذه الاضطرابات على أنها “طباع سيئة” أو “شخصيات صعبة”، ما يدفع كثيرين إلى إخفاء معاناتهم بدل طلب المساعدة.
لكن إدراك أن هذه الحالات اضطرابات نفسية حقيقية هو الخطوة الأولى نحو تقليل الوصمة، وفتح باب الدعم.
في الختام، اضطرابات الشخصية تذكّرنا بأن ما يبدو سلوكًا بسيطًا قد يكون انعكاسًا لصراع داخلي عميق.
وبين الفهم العلمي والتعاطف الإنساني، يمكن إعادة النظر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين، لنقترب أكثر من حقيقة أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة.
المصادر والاعتماديات
American Psychiatric Association
Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5)
منظمة الصحة العالمية
World Health Organization
Mayo Clinic
الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان
National Institute of Mental Health
