رحلة تبدأ من البيت.. كيف تتشكل شخصية الطفل في ظل التغيرات الحديثة؟
- الدكتورة منى السيد:
- الشخصية لا تتكون دفعة واحدة بل هي نتاج تفاعل بين الاستعداد الوراثي والبيئة
- “القدوة” العامل الأكثر تأثيرًا في مرحلة الطفولة
- مدرس بالمرحلة الابتدائية:
- أستطيع تمييز الطفل الذي تربى على الحوار من أول حصة
- مديرة حضانة:
- نغرس قيمة الأمانة بحكاية وقيمة التعاون بلعبة جماعية
- أخصائية اجتماعية:
- يجب أن يكون هناك تكامل في القيم بين البيت والمدرسة
- استشاري طب نفسي للأطفال:
- التيك توك ويوتيوب أصبحا المربي الثالث
- خبراء:
- تحويل الطفل إلى مجرد “ماكينة درجات” قد يؤثر سلبًا على نموه النفسي والاجتماعي
كتب: محمد سعيد محمد مصطفى
في سنواته الأولى، يتشكل الطفل مثل قطعة الصلصال اللينة؛ كل كلمة يسمعها، وكل موقف يمر به، وكل قدوة يراها، تترك أثرًا في بناء شخصيته ومنظومة قيمه.
ومع تسارع التغيرات التي يشهدها المجتمع، من انفتاح تكنولوجي وضغوط اقتصادية وتغير في شكل الأسرة، لم يعد بناء شخصية متوازنة مهمة سهلة، بل أصبح تحديًا يوميًا تواجهه الأسرة والمدرسة معًا.
في هذا السياق، توضح الدكتورة منى السيد، أستاذة علم نفس النمو بجامعة عين شمس، أن الشخصية لا تتكون دفعة واحدة، بل هي نتاج تفاعل بين الاستعداد الوراثي والبيئة، مشيرة إلى أن السنوات الست الأولى تُعد مرحلة تأسيسية، إذ يتكون خلالها نحو 90% من وصلات المخ، وفيها يتعلم الطفل الثقة والاستقلالية والمبادرة، أو على العكس الشك والخجل والشعور بالذنب.
وتضيف أن الطفل يبدأ في التمييز بين الصواب والخطأ منذ سن الثالثة، لكنه يعتمد على التقليد أكثر من الاقتناع، وهو ما يجعل “القدوة” العامل الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة.
داخل المنزل، تتشكل الملامح الأولى لشخصية الطفل، وهو ما ينعكس بوضوح لاحقًا داخل المدرسة.
ويقول أحمد فتحي، مدرس لغة عربية بالمرحلة الابتدائية منذ 14 عامًا: “أستطيع تمييز الطفل الذي تربى على الحوار من أول حصة، فهو يسأل، ويناقش، ويعتذر لو أخطأ، وهناك طفل آخر يخاف حتى أن يرفع عينه، وهذا غالبًا يكون من بيت يعتمد على التخويف أو المقارنة”.
وتشير دراسات تربوية إلى أن أساليب التربية تنقسم إلى أربعة أنماط رئيسية: المتسلط، والمتساهل، والمهمل، والديمقراطي، ويُعد الأخير الأكثر توازنًا، حيث يجمع بين الحزم والحوار، ويُسهم في بناء شخصية قادرة على اتخاذ القرار وتحمّل المسئولية.
ولا يقتصر غرس القيم على التوجيه المباشر، بل يتشكل أيضًا من خلال المواقف اليومية.
وتوضح مديرة حضانة “براعم المستقبل”: “نحن نغرس قيمة الأمانة بحكاية، وقيمة التعاون بلعبة جماعية، الطفل لن يفهم كلمة نزاهة، لكنه سيفهم أنه غير مسموح بأن يأخذ شيئًا لا يخصه”.
ومع انتقال الطفل إلى المدرسة، يبدأ في اختبار ما تعلمه داخل الأسرة.
وتحذر سارة عبد الرحمن، أخصائية اجتماعية، من تضارب الرسائل التربوية، قائلة: “لو كان البيت يقول الصدق نجاة، والمدرس يكافئ الطالب الذي يغشش زميله، سيحدث تشوش الطفل، يجب أن يكون هناك تكامل في القيم بين البيت والمدرسة”.
ومن النماذج الإيجابية، تجربة “حصة القيم” في إحدى المدارس التجريبية بالمعادي، حيث يتم التركيز على قيمة أسبوعية مثل الاحترام أو التعاون، وتطبيقها عمليًا داخل الفصل وخارجه، مع تحفيز الطلاب على ممارستها.
ورغم هذا التكامل بين الأسرة والمدرسة، تفرض التغيرات الحديثة تحديات جديدة، أبرزها تأثير الشاشات والمحتوى الرقمي.
ويؤكد الدكتور كريم شوقي، استشاري الطب النفسي للأطفال، أن “التيك توك ويوتيوب أصبحا المربي الثالث، والخطر ليس فقط في الوقت، لكن في القيم التي تُقدم، مثل أن التفاهة تتحول إلى شهرة، أو الأموال السهلة تكون نجاحًا”.
وفي المقابل، يمثل الضغط الدراسي تحديًا لا يقل أهمية، حيث تقول إحدى الأمهات: “ابني في الصف الثالث الابتدائي، يأخذ دروسًا في 4 مواد، ويعود لينام، ولم يصبح لديه وقت ليعيش طفولته”.
ويرى خبراء أن تحويل الطفل إلى مجرد “ماكينة درجات” قد يؤثر سلبًا على نموه النفسي والاجتماعي، ويحرمه من اكتساب مهارات حياتية أساسية.
ويبقى سلوك الكبار هو العامل الأكثر تأثيرًا، إذ يكتسب الطفل القيم من خلال الملاحظة. فحين يرى تناقضًا بين القول والفعل، يفقد الثقة في ما يُقال له.
ولبناء شخصية متوازنة، ينصح الخبراء بعدد من الممارسات اليومية، من بينها تخصيص وقت للحوار مع الطفل دون مشتتات، وتعزيز السلوك الإيجابي بدلًا من التركيز على الأخطاء، ومنحه فرصة الاختيار، إلى جانب تقديم القدوة الحسنة في مختلف المواقف.
وفي نموذج ملهم، أطلقت الطفلة مريم (10 سنوات) بمشاركة والدتها مبادرة “كتاب بدل الموبايل” داخل محيط سكنها، حيث يتبادل الأطفال الكتب بشكل أسبوعي ويتناقشون حولها.
وتقول: “تعلمت أن الصاحب الذي يعطيك كتابًا أفضل من الذي يعطيك لعبة على الموبايل”.
في النهاية، لم يعد بناء شخصية الطفل مسئولية فردية، بل عملية متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع، فالقيم لا تُفرض، بل تُكتسب من خلال الممارسة اليومية ويبقى الطفل انعكاسًا حقيقيًا لما يراه ويعيشه، لا لما يُقال له فقط.
