مدرس دراسات: مشكلتنا أننا نشرح «تواريخ» وليس «قصصًا».. ورسالة واتساب حفزتني على الاستمرار في التدريس
- أقسم الفصل “عائلات” كل 6 في مجموعة وأعمل بنظام “الخبير الصغير”
- توقفت عن محاربة الموبايل بل جعلته جزءًا من الحصة
- ولي الأمر يعتقد أن دوره سداد قيمة الدرس فقط
- الدروس الخصوصية عرض لمرض اسمه “فشل المدرسة”
- الطالب أصبح يدخل الامتحان وهو خائف من أهله وليس من الرسوب
- البيروقراطية تقتل والمبادرة تحيي
كتب: محمد سعيد محمد مصطفى
خلف كل سبورة، هناك معلم يحمل هم جيل كامل.
بعيدًا عن الخطط والشعارات، المدرس هو الذي يرى المشاكل على الأرض: الواقع في الفصول، ومناهج منفصلة عن الواقع، وضغط نفسي على الطالب والمعلم.
اليوم نسمع من الأستاذ حسام الشاذلي، مدرس الدراسات، خبرة 15 سنة في مدرسة مصطفى كامل الابتدائية المشتركة، عن أبرز مشاكل التعليم الشائعة بعيون المدرس، والحلول التي لا أحد يتكلم عنها.
ما أكثر 3 مشاكل تقابلك مع الطلبة داخل الفصل كل يوم؟
رقم 1: “مستر أنا جائع”، الطالب جاء بدون إفطار، فمخه مغلق.
رقم 2: “السرحان المزمن”، جسده في الفصل وعقله في الماتش.
رقم 3: “ماذا سأفعل بالتاريخ؟”، فقدان الشغف بالمعنى.
كيف تؤثر كثافة الفصول العالية على شرحك؟ وكيف تتعامل معها؟
65 طالبًا في الفصل يعني 65 عالمًا مختلفًا، مستحيل أن تصل للكل، الشرح يتحول لخطبة جمعة.
الحل؟ أقسم الفصل “عائلات” كل 6 في مجموعة، وأعمل بنظام “الخبير الصغير”.
أشرح لفرد واحد من كل عائلة، وهو مسئول يشرح للخمسة.
هكذا حولت الفصل من 65 لـ 10 فقط الذين أشرح لهم بشكل مباشر.
هل تشكل الفروق الفردية بين الطلبة أزمة؟
هذه أكبر كارثة، لو شرحت للبارع، سينام الضعيف، ولو نزلت للضعيف، البارع سيمل.
الحل في “الواجب الطبقات”، نفس الدرس لكن 3 مستويات: سؤال أساسي للكل، سؤال تحدٍ للمتوسط، سؤال “عبقري” للبارع، والشرح يكون “محطات”، 10 دقائق للأساس، 5 دقائق تحدٍ، لا أحد يشعر أنه متروك.
ظاهرة “سرحان الطلبة” أو “الموبايل في الحصة”، لماذا انتشرت من وجهة نظرك؟ وكيف تحلها؟
انتشرت لأننا مملون بصراحة، الموبايل فيه إثارة 5 ثوانٍ، والحصة فيها 45 دقيقة رتابة، وبالتالي توقفت عن محاربته، بل جعلته جزءًا من الحصة.
فمثلًا أقول لهم “أخرجوا الموبايل صوروا الخريطة، وأسرع واحد يحدد خط الاستواء سيحصل على نجمة”، فعندما يصبح الموبايل أداة تعلم، لن يظل أداة تشتيت”.
أما السرحان، فأقطعه بسؤال مفاجئ: “لو كنت مكان قطز ماذا ستفعل؟”.
هل ترى أن المنهج الذي تدرّسه مناسب لسن الطالب وعقليته؟
المنهج ليس ثقيلًا، المنهج “جاف”، درس الثورة العرابية فيه دراما أكثر من مسلسل “الاختيار”، لكننا نقدمه للطالب كأنه نشرة أخبار اقتصادية.
المشكلة في “العرض” وليس “الكم”.
طالب في الصف الثاني الإعدادي مخه يستوعب مؤامرات وحروبًا، لكن لو حكيتها له كقصة، مشكلتنا أننا نشرح لهم “تواريخ” وليس “قصصًا”.
نظام الامتحانات الحالي يقيس فهم الطالب فعلًا أم يقيس حفظه فقط؟
يقيس “صبر واضع الامتحان” وليس فهم الطالب.
سؤال “بم تفسر” أصبح الطالب يحفظ إجابته من الملزمة، أين الإبداع؟ أنا في امتحاناتي الشهرية أضع سؤالًا اسمه “لو كنت وزيرًا”، “لو كنت وزير الزراعة أيام محمد ماذا ستفعل؟”، هنا أعرف من الذي فهم ومن الذي حفظ.
ما الذي ترى أن ليس له فائدة في المنهج ويضيع وقت الطالب؟
أسماء المعارك الفرعية بالتواريخ الهجرية والميلادية في نفس الوقت، وأسماء 12 وزير في وزارة واحدة من 150 سنة.
الطالب لن يستفيد عندما يعرف أن معركة كذا كانت يوم الثلاثاء، سيستفيد عندما يعرف “لماذا” قامت المعركة و”ما” الذي تغير بعدها.
التفاصيل التي ليس لها علاقة بالصورة الكبيرة حشو.
لو بيدك تغيير شيء واحد في المنهج أو طريقة الامتحان، ماذا ستغير؟
سألغي كلمة “احفظ” من قاموس التعليم، وسأضع 40% من درجة الامتحان على “مشروع”، الطالب ينفذ مجلة، فيديو، مجسم، خريطة بيده عن الدرس، أريد أن أقيس “ما فعله بيده” وليس “ما حفظه”، فما يصنعه بيده لن ينساه طول عمره.
هل دور الأهل مساعد أم معوق؟ وما أكثر شكوى تسمعها من ولي الأمر أو تشكو منها؟
70% معوق للأسف، الأب يقول لي “اكسر وأنا أجبس يا مستر” وهذا مصيبة، والأم تقول لي “ابني ملاك ولا يكذب”، وهكذا يخرجان طالبًا منفصلًا عن الواقع.
أكثر شكوى أسمعها: “ماذا سيستفيد الطالب بالدراسات، وهو سيدخل علمي؟”.
وأكثر شكوى مني: “ولي الأمر يعتقد أن دوره سداد قيمة الدرس فقط”، فالتربية ليست بالمدرسة وحدها.
الدروس الخصوصية حل أم مشكلة؟ ولماذا أصبح الطالب معتمدًا عليها؟
الدروس الخصوصية عرض لمرض اسمه “فشل المدرسة”.
الطالب يبحث عن 3 أشياء: وقت، اهتمام، أمان، الفصل 65 طالبًا لا يجدونها، فيذهب لمجموعة فيها 10 طلاب فقط، أنا ضدها كمبدأ، لكن معها كواقع.
متى ستُمنع؟ عندما تصبح كثافة الفصل 25 طالبًا، وراتب المدرس يكفيه، والامتحان يعتمد على الفهم.
ضعف الإمكانيات في المدرسة من معامل ووسائل تعليمية، إلى مدى يؤثر على عملك؟
يقتل 50% من إبداعك، أنا مدرس دراسات، عملي كله خرائط ومجسمات ورحلات افتراضية، عندما تكون السبورة متكسرة والخريطة من سنة 90، أتحول من “مؤرخ” لـ “راوٍ”.
طبعت خرائط على حسابي، وأحضرت كرة أرضية مستعملة.
كيف يؤثر ضغط “المجموع” و”كليات القمة” على نفسية الطلبة؟ وهل ترى هذا في الفصل؟
أحيانًا أرى طلبة 14 سنة لديهم ضغط وشيخوخة، وطالب في الصف الثالث الإعدادي يقول لي: “لو لم أحصل على مجموع ثانوي عام أبي سيقتلني”.
نقتل أولادنا باسم “مستقبلهم”، فالطالب أصبح يدخل الامتحان وهو خائف من أهله وليس من الرسوب، أرى رعشة في أيديهم وهم يحلون، هذا ليس تعليمًا، هذا تعذيب.
ما أكثر شيء يتعب المدرس ويجعله يشعر بالإحباط في هذه المهنة؟
“قلة الحيلة”، عندما يكون لديك علم أن هذا الطالب يمكن أن يصبح عبقريًا، لكن ظروفه في البيت والكثافة والمنهج والامتحان كلها ضده، وقتعا تشعر أنك تحارب طواحين الهواء.
احكِ لنا مشكلة كبيرة كانت في مدرستك وتم حلها بمجهود بسيط من المدرسين.
دورات المياه كانت مغلقة، كما أن الطلبة كانوا يهربون ليدخلوا دورات المياه.
الإدارة أخبرتنا أنه لا توجد ميزانية، فدفعت أنا و5 مدرسين 200 جنيه لكل واحد، وأصلحنا السباكة وقمنا بدهان الباب.
في أسبوع تم حل المشكلة.
الدرس؟ أبسط المشاكل يتم حلها عندما نشعر أن المدرسة “بيتنا” وليس “عملنا”.
البيروقراطية تقتل، والمبادرة تحيي.
لو سألك وزير التعليم عن 3 قرارات ستطبق غدًا لتحل أزمة التعليم، ماذا ستقول له؟
1. أي فصل أكثر من 30 طالبًا يُغلق فورًا.
2. مرتب المدرس المبتدئ يصبح ضعف الحد الأدنى للأجور.
3. 50% من أي امتحان يكون “مشروعًا عمليًا” وليس تحريريًا.
3 قرارات فقط، وسنرى التعليم بشكل آخر خلال سنة واحدة.
رغم كل هذه المشاكل، ما الذي يجعلك تكمل في التدريس حتى الآن؟
رسالة واتساب من طالب عندي منذ 10 سنوات مكتوب فيها: “يا مستر أنا دخلت كلية آثار بسببك، أتذكر عندما حكيت لنا قصة كليوباترا؟”.
هذه اللحظة تمسح 1000 لحظة إحباط.
أنا لا أدرّس دراسات، بل أصنع “بني آدمين”.
عندما يقول لي طالب ضعيف: “أنا فهمت” أشعر أنني ملكت الدنيا.
خاتمة
مشاكل التعليم ليست في الطالب، المشاكل في من هم حول الطالب.
عندما نصلح حال المدرس والفصل والامتحان، سينصلح حال الطالب وحده.
