الألعاب التعليمية.. هل تصنع طفلًا متعلمًا أم تبيع وهمًا تربويًا؟
- نبيه الجندلي:
- التوجه للألعاب التعليمية ضرورة فرضها الواقع
- مع جائحة كورونا وانتشار السوشيال ميديا أصبحنا أمام طفل مختلف
- الألعاب ليس هدفها التسلية فقط لكن بناء مهارات حسب كل مرحلة عمرية
- في البداية نركز على المهارات الحسية مثل اللمس والتآزر بين العين واليد
- تصميم الألعاب يتم بشكل علمي وأي فكرة نعرضها على متخصصين
- الدكتور محمد رجائي:
- اللعب هو المدخل الطبيعي للتعلم لكن الخطأ يكون في التطبيق
- نخطئ عندما نفرض على الطفل التعليم بشكل مباشر أو مبكرًا
- الدكتورة هايدي طاهر:
- التعلم الفعّال للطفل لا يعتمد على التلقين بل على التدرّج والتجربة
- الطفل كلما شارك بنفسه في التعلم، زادت قدرته على الفهم والتركيز
- إحدى الأمهات:
- المشكلة ليست فقط في وجود الموبايل لكن في غياب البديل
- أصبحت أختار الألعاب حسب سن كل واحدة واهتماماتها وأترك لهن مساحة ليبدعن
كتب: سما عبد الفتاح علي
في ظل الانتشار الكبير للموبايلات والسوشيال ميديا، أصبح الطفل محاطًا بكم هائل من المحتوى السريع والمُشتت، وهذا جعل طرق التعلم التقليدية تفقد جزءًا كبيرًا من جاذبيتها.
ومن هنا، بدأت تظهر الألعاب التعليمية كحل بديل، يجمع بين التعلم والمتعة، لكن هل كل ما يُقدم تحت مسمى “تعليمي” فعلًا يحقق الهدف؟ أم أن هناك فرقًا بين منتج مدروس، وآخر مجرد اسم؟
للإجابة عن هذا السؤال، كان يجب أن نستمع لأكثر من زاوية: السوق، والمتخصصين، وتجربة الأهالي.
من الكتب للألعاب.. استجابة لتغير الطفل
يقول نبيه الجندلي، صاحب دار “إرشاد” للنشر والتوزيع، إن التوجه للألعاب التعليمية لم يكن مجرد تطوير، لكنه كان ضرورة فرضها الواقع.
وأضاف: “نحن دار نشر من سنة 1968، وكنا ننشر كتبًا عامة وكتب أطفال، ومن 2014 بدأنا نركز أكثر على محتوى الطفل، لكن من 2020، مع جائحة كورونا وانتشار السوشيال ميديا، أصبحنا أمام طفل مختلف، إيقاعه أسرع، وليس لديه صبر كتاب”.
وتابع: “الطفل أصبح يتعامل مع الموبايل ووسائل التواصل، فكان يجب أن نجد طريقة جديدة نوصل بها المعلومة، فلا نقول له احفظ جدول الضرب، لكن نوصلها له بطريقة أخرى عن طريق اللعب، حتى لا يمل”.
التعلم باللعب.. ليس رفاهية
يوضح “الجندلي” أن الألعاب التعليمية أصبحت وسيلة أساسية في تكوين علاقة الطفل بالتعلم، خاصة في المراحل الأولى، ففي مرحلة الحضانة، نهدف لتبسيط المعلومة، حيث يمكن أن يقدّمها مدرس بطريقة جامدة، وآخر يقدمها بشكل لطيف، وهنا الفرق، واللعب لا يساعد فقط على أن يحب الطفل التعلم، لكن يستمتع به أيضًا.
ويضرب مثالًا بسيطًا: “يمكن أن أقول للطفل اكتب حرف الألف، ويمكن أن أعطيه صلصالًا وأقول له كوّنه، في هذه الحالة هو عمل بحواسه كلها، وتعلم بشكل أسهل”.
مهارات تُبنى.. وليست مجرد معلومات
ويؤكد أن الألعاب ليس هدفها التسلية فقط، لكن بناء مهارات حسب كل مرحلة عمرية.
وقال: “نحن نتعامل مع أطفال من سنة لـ10 سنين، في البداية نركز على المهارات الحسية مثل اللمس والتآزر بين العين واليد، وبعد ذلك التخيل، والتصنيف، والترتيب، ومع الوقت ندخل الحروف والأرقام وتكوين الجمل”.
وذكر أن الطفل عندما يتعلم بهذه الطريقة، يكون لديه إبداع وقوة ملاحظة، ويستقبل المعلومات بسهولة، وهذا يجعله يفكر بشكل مختلف.
بين المنتسوري والتطبيق
وعن علاقة الألعاب بمنهج المنتسوري، يوضح “الجندلي”: “نعتمد على فكرة التعلم عن طريق اللعب، وهذا من أساسيات المنتسوري، لكن لا نطبقه بكل ضوابطه، ونعمل مع متخصصين، ونطوّر أفكارًا تناسب الطفل الحالي”.
وشدد على أن “تصميم الألعاب يتم بشكل علمي، وأي فكرة نعرضها على متخصصين، ونحدد أنسب طريقة نقدمها بها، سواء في الألوان أو الخامات أو الأسلوب حسب عمر الطفل”.
السوق يحكم
ويكشف عن وجود فرق واضح في الإقبال: “لو لديَّ كتاب لتعليم الحروف يمكن أن يبيع 1000 نسخة في 6 أشهر، لكن لعبة لنفس الهدف يمكن أن تحقق نفس الرقم في أقل من شهر”.
ويضيف: “الألعاب التعليمية الدينية هي الأكثر طلبًا، وبعدها الألعاب العلمية”.
رأي علمي: المشكلة ليست في اللعب.. بل في الطريقة
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد رجائي، استشاري الصحة النفسية للأطفال، أن اللعب هو المدخل الطبيعي للتعلم، لكن الخطأ يكون في التطبيق.
وقال: “المفترض أن يتعلم الطفل عن طريق اللعب، لأن هذا الأسلوب المحبب له، لكننا نخطئ عندما نفرض عليه التعليم بشكل مباشر أو مبكرًا”.
ويحذر من بعض الممارسات قائلًا: “هناك أطفال يمسكون القلم من سن 3 سنين، وهذا ليس مناسبًا، لأن عضلاتهم وجهازهم العصبي ليست مستعدة، وهذا يجعلهم ينفرون من التعلم”.
ويوضح أن الطريقة الصحيحة يجب أن تبدأ بمهارات بسيطة مثل التلوين، والتعامل مع الصور، وربط الكلمة بشكلها، إلى أن يصبح الطفل جاهزًا للتعلم بشكل تدريجي.
رؤية تربوية
في السياق نفسه، توضح الدكتورة هايدي طاهر، متخصصة في علم المنتسوري، أن التعلم الفعّال للطفل لا يعتمد على التلقين، بل على التدرّج والتجربة، حيث يتعامل الطفل مع المعلومة من خلال حواسه أولًا، ثم يبدأ في فهمها واستيعابها، وهو ما يتقاطع مع فكرة أن الطفل كلما شارك بنفسه في التعلم، زادت قدرته على الفهم والتركيز، بدلًا من الاكتفاء بالحفظ والتكرار.
تجربة أم.. من الموبايل للبديل
على الجانب الآخر، توضح تجربة إحدى الأمهات أن المشكلة ليست فقط في وجود الموبايل، لكن في غياب البديل.
وقالت: “عندما بدأت أقلل استخدام الموبايل، أحضرت لبناتي ألعابًا مثل البازل، وألعاب التفكير، والقصص، وبدأنا نقرأ ونلعب مع بعض”.
وتضيف: “أصبحت أختار الألعاب حسب سن كل واحدة واهتماماتها، وأترك لهن مساحة ليبدعن، وهذا جعلهن يستمتعن ويتعلمن في نفس الوقت”.
وتؤكد أن الفرق كان واضحًا: “أصبحن يركزن أكثر، ويفكرن، وأحببن التعلم، وهذا انعكس حتى في المدرسة”.
الاختيار هو الفارق
ما بين السوق الذي يقدم، والمتخصص الذي يوجّه، وتجربة الأم على أرض الواقع، يتضح أن الألعاب التعليمية يمكن أن تكون أداة فعالة، لكن ليست أي لعبة تصلح.
الفكرة ليست في الاسم، لكن في طريقة التصميم، والعمر المناسب، وأسلوب الاستخدام.
في النهاية؛ الألعاب التعليمية ليست مجرد وسيلة ترفيه، ولا حلًا سحريًا، لكنها أداة، نجاحها يتوقف على وعي من يستخدمها”.
وفي وقت أصبح فيه الطفل محاطًا بالشاشات، التحدي الحقيقي ليس أن نمنعه، لكن أن نستطيع أن نقدم له بديلًا يستحق وقته واهتمامه.
