هل فقد أطفالنا الرحمة؟ كيف نربي طفلًا “يشعر بالآخرين” في زمن القسوة الرقمية
- خبراء: الإهمال العاطفي أخطر من الضرب.. والتربية الحديثة تهدد إنسانية الطفل
- الدكتور أسامة صبحي:
- ما نراه اليوم من قسوة أو لا مبالاة عند بعض الأطفال نتيجة مباشرة لبيئة مضطربة
- الإهمال العاطفي قد يكون أخطر من العنف الجسدي لأنه يترك أثرًا داخليًا عميقًا
- الدكتورة علا عادل:
- بعض أساليب التربية الحديثة تُفقد الطفل جزءًا أساسيًا من توازنه النفسي
- الاعتماد على القسوة أو الأوامر فقط يحوّل الطفل إلى منفذ يتجنب العقاب
- غياب التفاعل الحقيقي واستبداله بالشاشات يقلل فرص تكوين مشاعر التعاطف والتواصل الإنساني
- الأستاذ جمال رمضان:
- أصبحنا نرى سلوكيات فيها قسوة وعدم احترام وهذا نتيجة غياب دور الأسرة
- الطفل الذي لا يتعلم التعاطف داخل بيته يصعب أن يمارسه في المجتمع
- الأستاذة فاتن فؤاد:
- الإفراط في استخدام التكنولوجيا يعزل الطفل عن التجربة الحقيقية
- القيم الإنسانية لا تُزرع بالكلام فقط بل بالممارسة اليومية
كتب: أحمد فكري
في أحد الشوارع، سقط طفل صغير على الأرض باكيًا، لم يقترب منه أحد.
مرّ الأطفال من حوله، نظروا، ثم أكملوا طريقهم.
مشهد بسيط، لكنه يطرح سؤالًا صادمًا: هل أصبح التعاطف مهارة مفقودة؟
في زمن تتسارع فيه الحياة، لم يعد التحدي فقط في تربية طفل ناجح، بل في تربية طفل “إنسان”.
وتشير ملاحظات خبراء الصحة النفسية إلى تزايد مشكلات القلق والعزلة بين الأطفال، في ظل بيئة سريعة الإيقاع، واعتماد متزايد على الشاشات.
الرحمة تبدأ من الأمان
يؤكد الدكتور أسامة صبحي، استشاري الأمراض النفسية، أن ما نراه اليوم من قسوة أو لا مبالاة عند بعض الأطفال، ليس سلوكًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لبيئة مضطربة.
ويقول: “الطفل الذي لا يشعر بالأمان أو الاحتواء، يكون صعبًا عليه الشعور بغيره”.
ويضيف أن الإهمال العاطفي قد يكون أخطر من العنف الجسدي، لأنه يترك أثرًا داخليًا عميقًا، يجعل الطفل يشك في قيمته، ويعاني لاحقًا في علاقاته.
أخطاء تقتل الإنسانية
من جانبها، ترى الدكتورة علا عادل، المتخصصة في تعديل السلوك، أن بعض أساليب التربية الحديثة تُفقد الطفل جزءًا أساسيًا من توازنه النفسي.
وتوضح: “الطفل ليس آلة، ليجب أن نحسه ونسمعه، ولا نعطي أوامر فقط”.
وتحذر من الاعتماد على القسوة أو الأوامر فقط، لأن ذلك يحوّل الطفل إلى منفذ يتجنب العقاب، دون أن يفهم مشاعره أو يطورها.
وفي المقابل، لا يقل التدليل خطرًا، لأنه يخلق طفلًا لا يرى إلا احتياجاته، دون إدراك حقيقي للآخرين.
المدرسة تكشف الحقيقة
داخل المدارس، تظهر نتائج هذه الأنماط التربوية بوضوح.
يقول الأستاذ جمال رمضان، مدير مدرسة الشهيد إسلام الابتدائية: “أصبحنا نرى سلوكيات فيها قسوة وعدم احترام، وهذا نتيجة غياب دور الأسرة”.
وأضاف أن الطفل الذي لا يتعلم التعاطف داخل بيته، يصعب أن يمارسه في المجتمع.
طفل بلا تفاعل
عامل آخر يزيد الأزمة تعقيدًا: الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا.
ترى الدكتورة علا عادل أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في تحول الطفل إلى متلقٍ دائم: “الطفل أصبح مستقبلًا طول الوقت، لا يجرب ولا يشعر”.
وتضيف أن غياب التفاعل الحقيقي، واستبداله بالشاشات، يقلل من فرص تكوين مشاعر التعاطف والتواصل الإنساني.
وتحذر الأستاذة فاتن فؤاد، مدرسة الأحياء، من أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا يعزل الطفل عن التجربة الحقيقية: “الذي لا يعيش التجربة، لن يتعلم الإحساس”.
التجربة تصنع إنسانًا
تؤكد “فاتن” أن القيم الإنسانية لا تُزرع بالكلام فقط، بل بالممارسة اليومية.
وتوضح: “المخ لا يتعلم إلا بالتجربة”.
لذلك، فإن الحماية الزائدة، ومنع الطفل من الاحتكاك بالحياة، قد يحرمه من فهم الألم، وبالتالي من التعاطف مع الآخرين.
كما تشير إلى أن التربية القائمة على القيم مثل الحلال والحرام، وليس فقط “القيم تزرع داخل الطفل ضميرًا حيًا، يجعله يميز بين الخطأ والصواب من داخله”.
الرحمة تُبنى داخل البيت
يتفق الخبراء على أن الطفل لا يتعلم الرحمة من التعليمات، بل من البيئة التي يعيش فيها.
من:
علاقة أبوين قائمة على الاحترام.
حوار حقيقي داخل البيت.
قدوة يراها الطفل يوميًا.
كما يقول الدكتور أسامة صبحي: “سلوك الطفل دائمًا وراءه رسالة، لو فهمناها، سنفهم ما يحتاجه”.
في النهاية، الرحمة ليست ضعفًا، بل من أقوى ما يمكن أن نزرعه في إنسان، فالطفل الذي لا يتعلم كيف يشعر بغيره،
قد يكبر وهو ناجح، لكنه قاسٍ.
وفي عالم أصبح أكثر صخبًا وأقل إنسانية، لم يعد السؤال: كيف نُنجح أبناءنا؟ بل: كيف نحافظ على إنسانيتهم؟ لأن أخطر ما قد نواجهه في المستقبل، ليس جيلًا ضعيفًا، بل جيلًا لا يشعر.
