مدرس لغة عربية: المدرس يمكن أن يكون “الرسالة الإيجابية الوحيدة” في يوم الطالب.. وإهانته أمام زملائه «خط أحمر»
كتب: محمد سعيد محمد مصطفى
- الطالب لو شعر أن الحصة فيها لغز سيترك الموبايل ويركز معك
- العقاب الذي يجعل الطالب يكرهك هو الإهانة أمام زملائه وهذا خط أحمر
- اللغة العربية تموت بدون حواديت
- أيًا كان حلم الطالب أربطه بالدرس
- يجب أن تعرف طريقة تحفيز كل طالب
- المدرس البارع هو من يأخذ النص ويقلبه لـ “تريند”
- لو اعتبرت السوشيال ميديا عدوك ستخسر الحرب
- المدرس يمكن أن يكون “الرسالة الإيجابية الوحيدة” في يوم الطالب
- لو شعر الطالب أنك تراه “إنسانًا” قبل أن يكون “درجة في الكشف”، سيحبك أنت ومادتك
لماذا يعشق بعض الطلاب المدرسة، وآخرون يعدون الدقائق لتنتهي؟ الفرق ليس في الذكاء، الفرق في “الدافع”.
حوارنا اليوم عن أهم طرق تحفيز حب التعليم: من ربط الدراسة بالحياة الواقعية، لاستخدام الألعاب والتكنولوجيا، لدور المعلم والأهل.
«العائلة» حاورت الأستاذ أشرف عبد الحميد، مدرس اللغة العربية للمرحلة الابتدائية، 18 سنة خبرة، وحاصل على جائزة المعلم المبتكر 2024، ليحل لنا المعادلة.
ما أول شيء تفعله أول 5 دقائق في الحصة لتجذب انتباه الطلاب؟
نسميها “صدمة الدخول”، فلا أقول “أخرجوا الكتاب”، بل أدخل بجملة تضرب في دماغهم، ذات مرة دخلت وكتبت على السبورة “أكلتُ السمكةَ حتى ذيلُها”، وقلت: “مَن سيقول لي لماذا ذيلُها مرفوعة له نجمة”، فصمت الفصل كله.
أول 5 دقائق لو كسبتهم، كسبت الـ40 دقيقة كلهم.
الطالب لو شعر أن الحصة فيها لغز، سيترك الموبايل ويركز معك.
كيف تتصرف مع الطالب الذي لا يحب اللغة العربية؟
أبتسم وأقول له: “وأنا أيضًا كنت أرى النحو لوغاريتمات وأنا في سنك”.
أول قاعدة: لا تقل له إن اللغة العربية جميلة، بهذا سيشعر أنك ضده، بل أقول له: “هل تحب أن تجرب 10 دقائق بطريقتي؟ ولو ظللت تكرهها بعدها، أعدك أنني لن أسألك مرة أخرى هذا الترم”.
السر أنك تزيل الضغط من عليه، وأن تعطي له إذنًا أن يكره، ستجده هو الذي يريد أن يجرب.
ما أحسن وسيلة عقاب أو ثواب حققت معك نتيجة ولم تجعل الطالب يكرهك؟
العقاب الوحيد أن “تحرمه من اللعبة”، فمثلًا لو كنا نحضّر لمسرحية للنصوص وهو مشاغب، أقول له: “للأسف تم إلغاء دورك هذه الجولة”، فيلح عليَّ لأعيده.
أما الثواب فهو “كارت الأستاذ”، وهو كارت يعطيه صلاحية ليصحح كراسة زميله، أو يختار النص الذي سنمثله في هذه الحصة، فيشعر أنه المسيطر.
العقاب الذي يجعله يكرهك هو الإهانة أمام زملائه، وهذا خط أحمر.
هل تستخدم قصصًا أو ألعابًا في الشرح؟ اذكر مثالًا حدث فعلًا وشكل فرقًا مع الطلبة.
اللغة العربية تموت بدون حواديت، في درس “كان وأخواتها”، أجرينا محاكمة، “كان” هي المتهمة، و”الاسم” و”الخبر” شهود، والطلبة وكلاء نيابة. كل شخص يجب أن يثبت “كان” رفعت مَن ونصبت مَن لتأخذ براءة.
فهناك طلبة كانوا يحتارون بين اسم كان وخبرها، بعد اللعبة أصبحوا يحلونها بسهولة، وبعدها بأسبوع وجدتهم يلعبونها في الفسحة.
كيف تقنع الطالب أن درس النحو أو البلاغة سيفيده خارج المدرسة؟
لا أقول له “سيفيدك”، بل أريه، فمثلًا درس “التشبيه”، أفتح له إعلان بيبسي وأقول له “هل ترى التشبيه هنا؟ الشركة دفعت ملايين من أجل هذا السطر ده”.
والنحو، أقول له: “عندما تكتب سيرة ذاتية وتخطئ في الهمزات، الإتش آر سيرميه دون أن يقرأ”.
العربي هو “الشياكة” في الكلام، ومن لا يفهم نحو يكون شكله سيئًا وهو يتكلم.
لو طالب سألك “ماذا سأستفيد من هذا في حياتي”، ما ردك؟
أرد بسؤال: “ماذا تريد أن تعمل عندما تكبر؟”، يقول: “يوتيوبر”، أقول له: “تمام، اليوتيوبر البارع هو من يستطيع أن يحكي قصة تجذب الانتباه، القصة تعني سردًا ووصفًا وحوارًا، يعني نصوصًا وبلاغة، بمعنى أنك لو كنت لا تستطيع التعبير، لن يشاهدك أحد”.
وأيًا كان حلمه، أربطه بالدرس، فالطالب لا يريد كلام إنشاء، لكنه يريد من أين تأتي الأموال والشهرة.
هل جعلت الطلبة يطبقون الدرس في مشروع عملي بسيط؟
بالطبع، في درس “اللافتات”، قسمنا الفصل إلى شركات إعلانات، كل 4 طلبة شركة، ومطلوب منهم أن يصمموا لافتة تبيع “القلم الرصاص” لطالب في الابتدائية.
استخدموا السجع والطباق وهم لا لا يشعرون، وفي النهاية نفذنا معرضًا، واختار مدير المدرسة أحسن إعلان وكسب جائزة، فالطلاب فهموا البلاغة بشكل بسيط ومختلف.
ليس كل الطلبة يتم تحفيزهم بالدرجات، ما أنواع التحفيز الأخرى التي تستخدمها؟
الدرجات للطالب التقليدي، أنا أعمل على 4 أشياء:
حافز المسرح: “من سيعرب بشكل صحيح سيمثل الدور الرئيسي في مسرحية الغد”.
حافز اللقب: “من سيكتب موضوع تعبير جيد سيأخذ لقب أديب الفصل أسبوعًا كاملًا”.
3. حافز الفضول: “هناك بيت شعر لو فهمته ستعرف سر عنترة وعبلة”.
حافز الشلة: “المجموعة التي تكتب أحسن قصة سيتم تصويرها وسننشرها على صفحة المدرسة”.
يجب أن تعرف طريقة تحفيز كل طالب.
طالب بارع لكن منطوي، وطالب ضعيف لكن يحب المشاركة، كيف تتعامل مع كل واحد ليحب الحصة؟
المنطوي البارع: أسند له “مهمة سرية”، مثل “اكتب لي تحليل لهذا النص في ورقة، وسأرد عليك أنا فقط”، لأشعره أنه ناقد أدبي كبير دون أن أحرجه.
الضعيف الذي يشارك: هذا بطلي، لو قال جملة واحدة صحيحة في التعبير، أوقف الحصة وأقول “يا جماعة اكتبوا هذه الجملة”، فالضعيف لو شعر أنه أديب، سيأكل الكتب ليظل أديبًا.
ما رأيك في المنافسة بين الطلبة؟ هل تشجعها أم تقتلها؟ ولماذا؟
منافسة “من الأكثر براعةً” تقتل الفصل، فأقتلها فورًا.
أنا أشجع “منافسة ضد الخطأ”، وأشجع “منافسة فرق تأليف”، فريق ضد فريق يكتبون قصة، القوي يساعد الضعيف ليكسب الفريق.
ثم نقيس: “قصتكم الأسبوع الماضي حصلت على 7 من 10، هذه المرة نريد 8″، بحيث ينافسون أنفسهم، وهكذا يخرج كل الفصل رابحًا.
هل تساعد المناهج والامتحانات الحالية الطالب على أن يحب اللغة العربية؟
الامتحان الذي يقتصر على “استخرج من القطعة” يجعل اللغة العربية ميت، فالطالب هنا يحفظ إجابات نموذجية فقط، لكن المدرس البارع هو من يأخذ النص ويقلبه لـ “تريند”.
نص عن حب الوطن؟ نحوله لحملة هاشتاج يؤلفه بتألفه.
القاعدة النحوية ثابتة، لكن طريقة تقديمك لها هي التي تجعل الطالب يحفظها وهو كاره لها أو يفهمها وهو يضحك.
الموبايل والسوشيال ميديا أكبر عدو للمدرس أم يمكن أن يكون سلاحًا في يده؟ كيف تستخدمه؟
لو اعتبرته عدوك ستخسر الحرب، فحل الواجب الخاص بي عبارة عن “ريلز”، وهو: “اصنع فيديو 20 ثانية تشرح فيه الفرق بين الهاء والتاء المربوطة بطريقتك”، والطلبة يحصلون على مشاهدات أعلى مني، كما أنني أسست قناة “دقيقة نحو” على التيك توك، فأصبحت أشرح لهم في المكان الذي يحبونه.
السوشيال ميديا هي الفصل الجديد، إما أن تلحقه، أو ستشرح للجدران.
لو كان الأهل يرون أن التعليم “مضيعة للوقت”، ماذا يمكن أن يفعله المدرس بمفرده؟
هذه أصعب حرب، لكن المدرس يمكن أن يكون “الرسالة الإيجابية الوحيدة” في يوم الطالب.
لو البيت يهدم، ابنِ انت.
كلمة “أنا أصدق أنك ستكون كاتبًا كبيرًا” منك، يمكن أن تغير مصيره.
أرسل لولي الأمر على واتساب جملة واحدة ابنه كتبها في التعبير وقل له “ابنك موهوب”، فأحيانًا الأهل يحتاجون أحد يريهم أن ابنهم ليس فاشلًا، كن أنت هذا النور.
احكِ عن أسوأ دفعة درّستها، وكيف جعلتهم في آخر السنة يحبون المادة؟
الصف الثاني الإعدادي منذ 4 سنوات، الفصل كان اسمه “مقبرة العربي”، 38 طالبًا يرون النحو عقابًا من الله.
أول شهر أوقفت تدريس المنهج، وأحضرت لهم كتاب “كابتن ماجد” وظللنا نقرأ ونحلل حواره، وقلت لهم “هذه هي البلاغة”، فأعدت لهم ثقة أن بيفهموا اللغة العربية أصلًا.
بعدها اطلعنا على المنهج واحدة واحدة، وآخر السنة نفذوا مسرحية باللغة الفصحى و”كسروا الدنيا”.
السر: صالحهم مع اللغة أولًا، قبل أن تعطيهم قواعدها.
لو لديك نصيحة واحدة فقط لمدرس مُعيّن حديثًا، فما هي؟
لا تدخل الفصل وأنت ترى نفسك سيبويه وهم جهلة.
لا تسخر من لهجة طالب أو خطأ إملائية أمام زملائه، ستقتله.
افعل شيئًا واحدًا: احفظ اسم كل طالب، واسأله عن شيء يحبه ليس له علاقة باللغة العربية، فلو شعر الطالب أنك تراه “إنسانًا” قبل أن يكون “درجة في الكشف”، سيحبك أنت ومادتك، ومن لا يصل لقلب الطالب، فلن يصل لعقله.
الخاتمة
اللغة العربية ليست قواعد تُحفظ.. بل لغة نعيش يها.
